العلامة المجلسي
313
بحار الأنوار
فلم يهن ما بناه ، ولا ضعف ما قواه ، هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته ، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته ، والعالي على كل شئ منها بجلاله وعزته ، لا يعجزه شئ منها طلبه ، ولا يمتنع عليه فيغلبه ، ولا يفوته السريع منها فيسبقه ، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه ، خضعت الأشياء له ، وذلت مستكينة لعظمته ، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضره ، ولا كفء له فيكافيه ، ولا نظير له فيساويه وهو المفني لها بعد وجودها ، حتى يصير موجودها كمفقودها ، وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها ، وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها وما كان من مراحها وسائمها وأصناف أسناخها ( 1 ) وأجناسها ومتبلدة أممها وأكياسها ( 2 ) على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ولتحيرت عقولها في علم ذلك ، وتاهت ( 3 ) وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة ( 4 ) عارفة بأنها مقهورة ، مقرة بالعجز عن إنشائها مذعنة بالضعف عن إفنائها . وأنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده ، لا شئ معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها ، بلا وقت ولا مكان ، ولا حين ولا زمان ، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت السنون والساعات ، فلا شئ إلا [ الله ] الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الأمور بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، وبغير امتناع منها كان فناؤها ، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها ، لم يتكأده صنع شئ منها إذ صنعه ، ولم يؤده منها خلق ما برأه وخلقه ، ولم يكونها لتشديد سلطان ، ولا لخوف من زوال
--> ( 1 ) مراحها - بضم الميم - : اسم مفعول من أراح الإبل ، ردها إلى المراح - كالمناخ - أي المأوى . والسائم : الراعي . يريد ما كان في مأواه وما كان في مرعاه . والأسناخ : الأصناف والأنواع . ( 2 ) المتبلدة : الغبية . والأكياس - جمع كيس - وهو الحاذق والعاقل . ( 3 ) تاهت أي تحيرت وضلت . ( 4 ) الخاسئ : الذليل الصاغر . وقيل هو البعيد مما يريده . والحسير : الكال المعيى .